عبد الحي العكري الدمشقي ( ابن العماد الحنبلي )
64
شذرات الذهب في أخبار من ذهب
وهي طويلة ولم يزل ابن بقية مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة فأنزل عن الخشبة ودفن في موضعه قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق لما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد فتداولتها الأدباء إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه وقال علي بهذا الرجل فطلب سنة كاملة واتصل الخبر بالصاحب بن عباد وهو بالري فكتب له الأمان فلما سمع أبو الحسن ذلك قصد حضرته فقال له أنت القائل هذه الأبيات قال نعم قال أنشدنيها من فيك فلما أنشد : ولم أر قبل جذعك قط جذعا * تمكن من عناق المكرمات قام إليه الصاحب وقبل فاه وأنفذه إلى عضد الدولة فلما مثل بين يديه قال ما الذي حملك على رثاء عدوي فقال حقوق سلفت وأياد مضت فقال هل يحضرك شيء في الشموع والشموع تزهر بين يديه فأنشأ يقول : كأن الشموع وقد أظهرت * من النار في كل رأس سنانا أصابع أعدائك الخائفين * تضرع تطلب منك الأمانا فلما سمعها خلع عليه وأعطاه فرسا ورده انتهى وكان ابن بقية في أول أمره قد توصل إلى أن صار صاحب مطبخ معز الدولة والد عز الدولة ثم انتقل إلى غيرها من الخدم ولما مات معز الدولة وأفضى الأمر إلى عز الدولة حسنت حاله عنده ورعى له خدمته لأبيه وكان فيه توصل وسعة صدر وتقدم إلى أن استوزره عز الدولة يوم الاثنين سابع ذي القعدة اثنتين وستين وثلاثمائة ثم أنه قبض عليه لسبب يوم الاثنين سابع عشر ذي الحجة سنة ست وستين بمدينة واسط وسمل عينيه ولزم بيته قال أبن الهمداني في كتابه عيون السير لما استوزر عز الدولة ابن بقية بعد أن كان يتولى أمر المطبخ قال الناس من الغضارة إلى الوزارة ولكن ستر كرمه عيوبه وخلع يوما عشرين ألف خلعة انتهى وتقدم أنه كان راتبه من الشمع في كل شهر ألف من فكم يكون غيره مما تشتد الحاجة إليه